في ذكرى أحداث 1984

الشيخ بكاي

في صباح هذا اليوم: 26 مارس من العام 1984 جاءني في البيت الواقع في “إيلو سي” إلى الشرق من الرئاسة سائقي محمد مبارك.. كان متوترا جدا.. قال: “الشرطة تنتظرك في الوكالة وتبحث عن بومدين ولد أحمد سالم.. تعال أهربك”.. لم أستغرب الأمر فقد كانت المؤشرات تدفع إلى أن ترتكب السلطة حماقات…
قلت للأخ محمد مبارك إني لن أهرب لأني لم أقم بما يستدعي ذلك.. ورغم رفضي توقف الرجل الطيب مرات في الطريق يطلب مني الهرب..
كان الناصريون أيامها قد وزعوا على نطاق واسع منشورا يهاجم “التحالف العسكري الرأسمالي”، وكتبوا الشعارات الواردة فيه على الجدران في عدد كبير من مدن البلاد في الليلة نفسها.. وغرقت المدارس في إضرابات..
كان الدخول إلى مكتبي يقتضي أن أمر بقاعة التحرير.. لم يقف لي أحد، ولم يسلم علي أحد.. كانت القاعة واجمة هادئة..
بعد دخولي المكتب جاء مدني وقال: “تريدك الشرطة في الخارج”.. رددت عليه: ” قل لهم أن يدخلوا.. هم أصحاب الحاجة ..”.
دخل الضابط بزومه وسلم في شكل مهذب جدا. وقال لدي أمر باعتقالك”.
رددت في ثقة “مصطنعة” فقد كنت أعرف ألا حول لي ولا قوة: “عندك أمر اعتقال من النيابة؟.. غير ذلك يكون عملية اختطاف”.
أغلق بوزومه الباب في هدوء وقال: ” الشيخ..خارج الرسميات، هذا أنا وأنت أنت ولا أريد أن اضطر إلى أن أعاملك بطريقة غير لائقة بنا”…
ورغم يساريتي ومحاولتي التحرر من التقاليد، فهمت بسرعة خطاب الرجل الذي يعني مودة متأصلة في التاريخ، فهو رجل من أولاد الناصر وأنا ابن الشيخ سيدي المختار الكنتي..
كنت مديرا لتحرير الوكالة الموريتانية للانباء لكنني في هذه الأيام أتولى مسؤوليات المدير العام الموجود في سفر..
قلت له وقد كنت هادئا هذه المرة: “صحيح.. هل يمكن أن تسمح لي بإجراء اتصال من مكتب المدير العام”… قال:” نعم.. تفضل” وبقي في مكتبي.
كنت أريد أن أعرف وضع الكوري ولد حميتي، وحمود ولد عبدي، وبعض أصدقائي الخاصين… وعرفت من الاتصالات أنه تم اعتقالهم…
في الليلة الماضية كنت وحمود في الطريق إلى بيت نسهر فيه في العادة.. قلت له إني غير ذاهب معه فأنا أشعر بفيض من الحنين إلى “أهل الرشيد” أي المنحدرين من قريتي… ذهبت إلى توجونين حيث يكثر الأهالي.. زرت كثيرين وسهرت مع إخوة وأخوات في جو أسري كنت أشعر بالحاجة إليه…..
لم يشرب حمود “البراد الأول” حتى التحق به ضابط شرطة.. وبات ليلته في ضيافة سيدة راقية، مضيافة، كريمة، سليلة الكرماء تسمى “أمن الدولة”…

في الطريق إلى “المضافة” سمح لي بوزومه بشراء 4 كرتون من مارلبورو.. وانتبهت بعد أن عدت إلى السيارة إلى أنني ارتكبت خطا، فشراء هذا القدر من السجائر يعني أنني أفترض أن أطيل المقام… وعموما لم أدخنها فقد صادرها الرحماء شرطيونا الأشاوس..
عن ساعاتي الأولى كتبت في كتاب لم ير النور بعد:

:دفع بي الرقيب سيدي محمد إلي الداخل بعنف حتى سقطت علي تلة من القمامة والرمل المالح يبدو أنهم جمعوها للاحتفاء بي في هذه الغرفة الضيقة المسقوفة بالصفيح المتآكل… وقبل أن يغلق الرقيب الغرفة قال في حقد ظاهر: ” لقد انتهت وظيفة المدير التي أنت منتفخ بها، وهذه الثياب أيضا سنزيل انتفاخها”.

لملمت أشلاء كبريائي وأدرت البصر بين ” التلة” والأرضية العارية إلا من أتربة حمراء مالحة ، لأختار مكانا للجلوس…شغلت نفسي لبعض الوقت بأعمدة دخان السجائر تمتزج بأشعة الشمس الساقطة من خلال ثقوب في السقف. ضربت الباب مرات… فتح مرة … وكان أمامه شرطي أسود، طويل القامة، مدجج بالسلاح… قال مصوبا رشاشه إلي نحري:

” ماذا تريد؟”.

قلت: ” هل تتكرم بالبحث لي عن جريدة أقتل بها الوقت؟”.

نظر إلي وقال في هدوء: ” أيها السيد ..! لا جرائد هنا… يبدو أنك لا تستوعب الموقف. وسأنصحك : توقع الأسوأ، واعمل المستحيل من أجل أن تصون كرامتك”. ثم أقفل الباب… كان اسمه عبد ول جي …