
( صوتك ـ نواكشوط) : من خديجه لمونك
بدأت السلطات الموريتانية تحركا ميدانيا واسعا لتنظيف العاصمة نواكشوط، من خلال جولات الولاة ومتابعة عمليات إزالة النفايات في المقاطعات التسع، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بملف النظافة، بعد استمرار شكاوى السكان من انتشار القمامة وتراكمها في عدد من الأحياء والشوارع.
وشهدت ولايتا نواكشوط الجنوبية والشمالية اليوم السبت، زيارات ميدانية للواليين كيسى جلل آبو والناجي ولد خطري، لمتابعة حملات التنظيف والاطلاع على جاهزية الفرق والوسائل المستخدمة، وتحديد المواقع التي تتطلب تدخلا عاجلا. وتأتي هذه التحركات في سياق دعوة رسمية إلى تعبئة الإدارة والمواطنين والمجتمع المدني للمساهمة في تحسين المظهر الحضري للعاصمة.
ويطرح هذا التحرك تساؤلات بشأن أداء شركة «آرما» المغربية، المكلفة بتسيير خدمات النظافة في نواكشوط، ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية. فبعد أكثر من عام على بدء نشاطها، لا تزال مظاهر تراكم النفايات حاضرة في عدد من المناطق، كما لم تتحول الوعود بتحسين الخدمة إلى مستوى مستقر وملموس من النظافة اليومية.
ولم تقتصر الانتقادات على المواطنين، إذ سبق لوزارة الداخلية أن وصفت، في اجتماع مع مسؤولي الشركة في أغسطس 2026، مستوى النظافة بالعاصمة بأنه غير مقبول، ووجهت إنذارا للشركة مطالبة إياها بخطة عاجلة وتعبئة مواردها البشرية واللوجستية والفنية، مع التلويح بتفعيل الإجراءات القانونية والتعاقدية في حال عدم تحقيق التحسن المطلوب. كما خصصت اجتماعات لاحقة لتقييم أدائها وبحث أوجه القصور في عمليات الجمع والنقل.
ورغم تسليم الشركة معدات وآليات إضافية في نوفمبر 2025، وإعلان السلطات عن تقدم في بعض العمليات الميدانية خلال فبراير 2026، فإن استمرار الحاجة إلى حملات استثنائية وتدخلات مباشرة يثير سؤالا جوهريا: هل تكمن المشكلة في نقص المعدات، أم في طريقة تنظيم الخدمة ومراقبتها وتوزيع المسؤوليات؟
حلول عاجلة تتجاوز حملات التنظيف المؤقتة
إن إزالة النفايات المتراكمة تمثل خطوة ضرورية، لكنها لن تكون كافية ما لم تتحول إلى منظومة يومية منتظمة. ومن بين الحلول العملية التي يمكن اعتمادها:
إلزام الشركة ببرنامج عمل معلن: تحديد مواعيد جمع النفايات لكل حي وشارع، ونشرها حتى يتمكن السكان والبلديات من متابعة مدى الالتزام بها.
ربط مستحقات الشركة بمستوى الأداء: اعتماد مؤشرات واضحة تشمل انتظام الجمع، وسرعة رفع النفايات، وعدد النقاط السوداء التي تمت معالجتها، مع تطبيق الخصومات والجزاءات المنصوص عليها في العقد عند التقصير.
تفعيل الرقابة البلدية: منح فرق البلدية دورا أكبر في رصد المخالفات ومراقبة الحاويات والمكبات العشوائية، وتحرير المخالفات بحق من يرمون النفايات في الفضاءات العامة.
تنظيم الجمع الأولي داخل الأحياء: إشراك المؤسسات المحلية وأصحاب العربات ثلاثية العجلات في نقل النفايات من الأزقة والمناطق التي يصعب وصول الشاحنات الكبيرة إليها، وفق ترتيبات واضحة وتحت إشراف البلديات.
معالجة مخلفات البناء والنفايات الكبيرة: تخصيص نقاط لجمع الأنقاض والأثاث المستعمل ومخلفات الورش، ومنع التخلص منها عشوائيا في الشوارع والساحات.
تحسين إدارة الحاويات والمكبات: توزيع الحاويات بحسب الكثافة السكانية، وتفريغها بانتظام، وتأمين نقل النفايات إلى مواقع مهيأة للتخلص منها، مع وضع تصور تدريجي للفرز وإعادة التدوير.
إشراك السكان في الرقابة: إنشاء قنوات سهلة للتبليغ عن تراكم النفايات، مع تحديد آجال للتدخل ومتابعة الشكاوى حتى معالجتها.
أما على المدى المتوسط، فإن استمرار الاعتماد على جمع النفايات ونقلها دون تطوير منظومة لمعالجتها وتثمينها سيبقي العاصمة أمام المشكلة نفسها. لذلك تبرز الحاجة إلى دراسة إنشاء مركز منظم للفرز والتدوير، واستقطاب استثمارات في معالجة النفايات، بما يقلل حجم المخلفات الموجهة إلى المكبات ويوفر فرص عمل.
المسؤولية لا تقع على طرف واحد
ومع أن أداء الشركة المكلفة بالنظافة يستحق تقييما صارما في ضوء الالتزامات المعلنة والانتقادات الرسمية، فإن معالجة الأزمة تتطلب أيضا تحديد مسؤوليات السلطات والبلديات والمواطنين. فالشركة مطالبة بتنفيذ الخدمة المتعاقد عليها، والسلطات مطالبة بمراقبة أدائها ومحاسبتها، فيما يتحمل السكان مسؤولية احترام الأماكن المخصصة لرمي النفايات.
ويظل التحدي الحقيقي أمام السلطات الموريتانية هو تحويل الاستنفار الحالي إلى نظام دائم، لا تقتصر نتائجه على تنظيف الشوارع خلال الحملات، بل يضمن بقاءها نظيفة بعد انتهائها. فالعاصمة لا تحتاج إلى حملات متقطعة بقدر حاجتها إلى خدمة منتظمة ورقابة فعالة، ومحاسبة واضحة لكل طرف.








