رئيس لا يبيع الوهم

هناك خطابات سياسية تجعلك تشعر كأنك تستمع إلى رب أسرة هادئ، يحاول إقناع أبنائه بأن الأمور تحت السيطرة، وأن العاصفة التي تضرب بيوت الجيران لن تعبر نافذتنا، بشرط أن نحكم إغلاقها.

هذا، تقريبًا، ما فعله الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمام سكان أطار. فقد تحدث عن بلد مستقر أمنيًا، واقتصاد تحت السيطرة، ومشاريع تتقدم، لكنه لم يُخفِ وجود صعوبات واختلالات، مقرًا بأنه كان بالإمكان تحقيق ما هو أفضل.

لم يقل الرئيس إن كل شيء بخير، ولم يدّع أن الطريق بلا حفر، وإنما أكد أن الدولة تتقدم، وأن المشكلات موجودة، وأن العمل على علاجها مستمر.

وهذا هو الفارق بين من يبيع الأمل ومن يبيع الوهم. غير أن الأمل نفسه يفقد قيمته إذا طال انتظاره ولم يتحول إلى أثر يراه الناس.

واحة أمن وسط حقل ألغام

بدأ الرئيس من الملف الذي يسبق عادة كل حديث عن التنمية: الأمن.

في محيط إقليمي مضطرب، تبدو فيه منطقة الساحل كبرميل بارود يبحث عن عود ثقاب، قال الغزواني إن الوضع العام في موريتانيا جيد، وإن الأمن مستتب بفضل تضحيات القوات المسلحة وقوات الأمن.

والحفاظ على الاستقرار في هذا الجزء من العالم ليس تفصيلًا صغيرًا؛ فموريتانيا تجاور منطقة تتنازعها الجماعات المسلحة والانقلابات والأزمات الاقتصادية والتدخلات الخارجية.

لكن الأمن ليس بابًا يُغلق مرة واحدة، ثم يُرمى مفتاحه في جيب الحارس. إنه عمل يومي يحتاج إلى جيش يقظ، ومؤسسات قوية، واقتصاد يوفر فرصًا للشباب، وعدالة تقلص الشعور بالتهميش.

ولا يكفي أن تظل موريتانيا واحة أمن وسط حقل ألغام؛ بل ينبغي أن يجد سكان الواحة العمل والتعليم والعلاج. فالاستقرار الحقيقي ليس غياب الرصاص فقط، وإنما حضور الدولة في حياة الناس.

نمو يقترب من 5%.. ولكن من يشعر به؟

قال الرئيس إن الاقتصاد تحت السيطرة، وإن الحكومة تتوقع نموًا في حدود 5%، رغم آثار الوضع الدولي على الأسعار وسلاسل الإمداد، مؤكدًا أن الأسواق الوطنية مموّنة بصورة طبيعية.

قد تكون الأرقام صحيحة، لكنها لا تكشف وحدها كيف يعيش المواطن. فهو لا يلتقي الناتج المحلي الإجمالي في السوق، ولا يدفع فاتورة البقالة بمعدلات النمو؛ ما يعنيه هو مقدار ما يبقى في جيبه بعد شراء الضروريات ودفع تكاليف الماء والكهرباء والنقل والعلاج.

وهنا يبرز السؤال: هل خلق هذا النمو فرص عمل، ورفع دخول الأسر، وحسّن الخدمات، أم بقي رقمًا أنيقًا يصلح للمنابر أكثر مما يصلح للحياة؟

وتحدث الرئيس عن إنفاق عشرات المليارات لدعم المحروقات والتحويلات المباشرة، مشيرًا إلى استفادة أكثر من 350 ألف أسرة من عملية «عون».

تعكس هذه المعطيات حجم تدخل الدولة، لكن العبرة تظل بالأثر. فالمواطن لا يريد مشروعًا يحمل اسمًا كبيرًا ولافتة لامعة، ثم يختفي أثره بعد حفل التدشين؛ بل يريد ماءً يصل إلى منزله، وكهرباء لا تغادر عند أول عطل، ومدرسة تعلم أبناءه، ومركزًا صحيًا يجد فيه الطبيب والدواء.

وقد تكون الحروب واضطرابات الأسواق أسبابًا حقيقية لارتفاع الأسعار، لكنها لا تفسر كل شيء. وتبقى على الحكومة مسؤولية مراقبة الأسواق، ومنع المضاربات، وتسريع المشاريع ومحاسبة المقصرين.

فالناس تتفهم العاصفة القادمة من الخارج، لكنها لا تتفهم أن تجد النوافذ مفتوحة والحارس نائمًا.

الاختلالات موجودة.. فمتى تُعالج؟

كانت أكثر لحظات الخطاب أهمية إقرار الرئيس بوجود مشكلات وصعوبات واختلالات، وقوله إنه كان بالإمكان تحقيق ما هو أفضل.

في منطقتنا، اعتاد بعض المسؤولين تصوير الأوضاع كأن المشاريع اكتملت، والمشكلات حُلّت، ولم يبقَ سوى أن تزقزق العصافير فوق المنشآت الجديدة. لذلك يُحسب للرئيس اعترافه بوجود الخلل.

لكنه اعتراف لا يصلح بديلًا عن المعالجة، ولا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تستظل بها الإدارات كلما تأخر مشروع أو تعطلت خدمة.

فالاختلال الذي يُكتشف يجب أن يُصحح. أما الذي يتكرر ويجد في كل مرة تفسيرًا جديدًا، فقد يصبح جزءًا من هندسة المبنى نفسه.

ومن حق المواطن أن يسأل: ما هذه الاختلالات؟ ومن المسؤول عنها؟ ومتى ستُعالج؟ وهل سيحاسب من عطل المشاريع وأهدر الموارد؟

فالخطأ قد يقع، لكن تكراره يحتاج إلى تفسير، واستمراره يحتاج إلى مساءلة، والتعايش معه يحتاج إلى اسم آخر.

وفي النهاية، لا يمكن فصل صدقية الخطاب الرئاسي طويلًا عن أداء الحكومة؛ فالرئيس مسؤول عن اختيار من ينفذون برنامجه، وعن محاسبتهم عندما يتعثر التنفيذ.

قدم الغزواني في أطار خطابًا هادئًا وموزونًا؛ طمأن بشأن الأمن، واستعرض مؤشرات الاقتصاد، وتعهد بمواصلة المشاريع والحد من ارتفاع الأسعار، واعترف في الوقت نفسه بنواقص الأداء.

لقد نجح الخطاب في الطمأنة من دون إنكار المشكلات، وهذه نقطة تُحسب للرئيس. لكن صدقيته ستُقاس بقدرة الحكومة على تحويل الأمن إلى تنمية، والنمو إلى دخل، والإنصاف إلى خدمات، وجهود ضبط الأسعار إلى فرق حقيقي في فاتورة الأسرة.

فالرئيس الذي يعترف بالنواقص لا يبيع الوهم، لكن صدقية هذا الاعتراف ستكتمل حين تُصلح حكومته الخلل، ويحاسب المقصرين، ولا يسمح لأحد بأن يبيع الوهم نيابة عنه.