
في هذه الأيام، ومع توجيه رئيس الجمهورية للمسؤولين بقضاء عطلهم في مواطنهم الأصلية، تتكرر في الداخل الموريتاني مشاهد تستحق التأمل أكثر من التصفيق أو السخرية. مسؤول يعود إلى قريته أو مدينته، فتتحرك السيارات لاستقباله، وتتجمع الوفود والوجهاء والأقارب، وتظهر اللافتات ومكبرات الصوت، وترتفع الهواتف لتوثيق لحظة الوصول. وفي ساعات قليلة، قد تتحول زيارة عائلية إلى حدث اجتماعي واسع. التوجيه في أصله يحمل معنى جميلًا: أن يعود المسؤول إلى أهله، وأن يقترب من الناس بعيدًا عن مكاتب العاصمة وبروتوكولاتها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يعود المسؤول إلى موطنه ليعيش بين أهله، أم يعود أحيانًا ليكتشف حجم الصورة التي صنعها منصبه؟
ليس المقصود هنا انتقاد فكرة قضاء العطلة في الموطن الأصلي، فهي فكرة إيجابية يمكن أن تعيد للمسؤول شيئًا من صلته بالناس والمكان الذي نشأ فيه. كما أن استقبال أبناء المنطقة لشخص أصبح وزيرًا أو مديرًا أو مسؤولًا كبيرًا أمر طبيعي، بل قد يكون تعبيرًا صادقًا عن المحبة والوفاء والاعتزاز. لكن ما يستحق النقاش هو ما يحدث عندما تتجاوز الحفاوة حدودها الطبيعية، ويتحول حجم الاستقبال إلى مقياس للمكانة، ويصبح عدد السيارات والحشود والصور جزءًا من الرسالة التي يريد الجميع إيصالها إلى الآخرين.
المشهد الموريتاني أكثر تعقيدًا من مجرد «حب الاستعراض». فنحن مجتمع صغير ومترابط، للانتماء العائلي والمناطقي والاجتماعي فيه وزن كبير. وعندما يصل أحد أبناء قرية أو مقاطعة إلى منصب رفيع، لا يُنظر إلى نجاحه باعتباره شأنًا فرديًا فقط؛ غالبًا ما تشعر الجماعة بأنها حققت شيئًا من خلاله. ولذلك يصبح استقباله مناسبة تقول فيها المنطقة: «هذا ابننا». وفي المقابل، يجد المسؤول في الحشود والوجوه المألوفة تأكيدًا على أن المنصب لم يقطع الصلة بجذوره. وهكذا يصبح الاستقبال أحيانًا احتفاءً متبادلًا: الفرد يعرض نجاحه، والجماعة تعرض نجاحها من خلاله.
وقد رأينا خلال هذه الفترة أمثلة لافتة على استقبال مسؤولين وشخصيات عامة في مواطنهم الأصلية، حيث تتحول العودة إلى مناسبة تحشد لها السيارات والوفود والوجهاء، وتنتقل تفاصيلها سريعًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ينبغي أن نفترض أن كل هذه المظاهر مصطنعة أو مرتبطة بالتملق؛ فهناك في المجتمع الموريتاني وفاء حقيقي لأبناء المناطق، وفرح حقيقي عندما يصل أحدهم إلى موقع متقدم. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحشد نفسه موضوعًا للمنافسة، فتتساءل منطقة عن استقبال منطقة أخرى، ويصبح حجم الموكب دليلًا على النفوذ، ويصبح الحضور الاجتماعي أشبه برصيد يجب إظهاره.
واللافت أن المنطق نفسه نجده في الأعراس. فالعرس الموريتاني في أصله مناسبة للفرح والكرم والتكافل، لكنه تحول في بعض البيئات إلى مساحة للمقارنة بين الأسر. القاعة، والديكور، والملابس، والولائم، وعدد المدعوين، والتصوير، كلها أصبحت أحيانًا عناصر في سباق لا يعلن عنه أحد صراحة، لكن الجميع يعرفه. وحتى «نقطة العرس»، التي تعبر في أصلها عن المشاركة والكرم، قد تتحول في بعض المناسبات إلى مجال للمنافسة في قيمة المبالغ المقدمة، فيشعر شخص بأنه مطالب بمجاراة غيره حتى لا يبدو أقل سخاء أو مكانة.
المشكلة هنا أن الذين يدفعون ثمن هذه المنافسة ليسوا دائمًا من أصحاب الثروة. الأسرة متوسطة الدخل قد تنفق فوق قدرتها حتى لا يبدو عرسها أقل من عرس الآخرين، والشاب المقبل على الزواج قد يجد نفسه أمام تكاليف تتجاوز إمكاناته، فيستنزف مدخراته أو يتحمل التزامات مالية طويلة من أجل مناسبة تستمر ساعات. الناس يرون القاعة والملابس والوليمة والسيارات، لكنهم لا يرون ما يأتي بعدها من حسابات وضغوط. وقد تكون الصورة التي تبدو أمام الجميع فاخرة ومكتملة، بينما تختبئ خلفها أسرة تحاول فقط أن تحافظ على صورتها الاجتماعية.
وهنا تظهر قوة العبارة التي يعرفها كل مجتمع تقريبًا، لكنها في موريتانيا تحمل وزنًا خاصًا: «ماذا سيقول الناس؟». قد يعرف الإنسان أن ما يفعله يفوق قدرته، لكنه يخشى أن يكون ثمن البساطة اجتماعيًا أكبر من ثمن الإنفاق. لا أحد يأمره مباشرة بأن يقيم عرسًا مكلفًا أو ينظم استقبالًا ضخمًا، لكن توقعات المحيط تقوم بالمهمة. وهكذا يتحول العرف إلى ضغط، والضغط إلى إنفاق، والإنفاق إلى معيار للمكانة، ثم يجد الجميع أنفسهم مشاركين في سباق لم يقرر أحد رسميًا أن يبدأه.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت هذا السباق سرعة وانتشارًا. في الماضي كان الاستقبال ينتهي بانصراف السيارات، وكان العرس ينتهي بخروج الضيوف. أما اليوم فالمناسبة تستمر على الهاتف: صور، مقاطع، تعليقات، إعجابات ومقارنات. لم يعد الجمهور هو الموجود في المكان فقط، بل أصبح هناك جمهور بعيد يمكنه أن يرى كل شيء. لذلك أصبح الإنسان يفكر أحيانًا في المناسبة مرتين؛ مرة وهو يعيشها، ومرة وهو يتخيل كيف ستبدو عندما تُنشر. وهنا تصبح الصورة جزءًا من الحدث، وربما يصبح الحدث نفسه أحيانًا مصممًا كي ينتج صورة جميلة.
هذه الثقافة لا تعني بالضرورة أن الموريتانيين أصبحوا أكثر سطحية أو فراغًا من غيرهم. جذور المسألة أقدم من الهاتف والسيارة الحديثة. فقد كانت المكانة الاجتماعية في المجتمع التقليدي تُبنى على الكرم، وحسن الضيافة، والعلاقات، والعلم، والنسب، والقدرة على جمع الناس وإكرامهم. لكن المجتمع الحديث أضاف أدوات جديدة إلى هذه المنظومة: المال، السيارة، المنزل، السفر، العلامات التجارية، المنصب، الحفل، وعدد الصور والمشاهدات. لم تختفِ الوجاهة القديمة، وإنما أعادت إنتاج نفسها بأدوات جديدة، فأصبح من الممكن أن يجتمع الكرم التقليدي مع ثقافة الاستهلاك في المشهد نفسه.
ولهذا قد يكون وصف الظاهرة بأنها «عقدة نقص» تفسيرًا ناقصًا. نعم، قد يحاول بعض الأشخاص تعويض حرمان قديم من خلال المظهر، وقد يشعر من انتقل بسرعة إلى وضع اجتماعي جديد بحاجة إلى إثبات ذلك أمام من عرفوه في الماضي. لكن هناك أيضًا من يستقبل مسؤولًا بدافع المحبة، ومن يقيم عرسًا كبيرًا لأنه يريد أن يفرح، ومن ينفق بسخاء لأنه يرى الكرم قيمة لا يريد التخلي عنها. لذلك لا ينبغي تحويل سلوك اجتماعي متنوع إلى تشخيص نفسي لجماعة كاملة. الأدق أننا أمام تداخل بين الحاجة إلى الاعتراف، وضغط الجماعة، والتحول الاقتصادي، وتغير أنماط الاستهلاك، وتأثير وسائل التواصل.
وربما تكون المشكلة الأعمق هي أننا لم نحسم بعد سؤالًا بسيطًا: ماذا يعني النجاح في المجتمع الموريتاني اليوم؟ هل هو المال؟ أم المنصب؟ أم السيارة؟ أم المنزل؟ أم القدرة على إقامة عرس كبير؟ أم عدد السيارات التي ترافق المسؤول عند عودته إلى موطنه؟ أم العلم والكفاءة والنزاهة وحسن التربية وخدمة الناس؟ عندما تضطرب معايير النجاح، تنتصر المؤشرات الأسهل في الرؤية. فالسيارة يمكن تصويرها، والموكب يمكن تصويره، والوليمة يمكن تصويرها، أما الكفاءة فتحتاج إلى سنوات حتى تظهر، والنزاهة لا تحتاج إلى كاميرا أصلًا.
ومن هنا تأتي أهمية توجيه المسؤولين إلى قضاء عطلهم في مواطنهم الأصلية. يمكن أن تكون هذه العطلة فرصة لاستعادة العلاقة الطبيعية بين المسؤول والمجتمع، لا مناسبة لإعادة إنتاج المسافة بينهما بصورة أخرى. أجمل عودة للمسؤول ليست تلك التي تسبقه فيها عشرات السيارات، ولا التي تملأ صورها صفحات التواصل، وإنما تلك التي يستطيع فيها أن يجلس مع أهله دون بروتوكول، ويمشي في سوق مدينته، ويستمع إلى شاب يبحث عن فرصة، وإلى مزارع يشكو مشكلة، وإلى معلم يتحدث عن مدرسته، وإلى أسرة تنتظر خدمة بسيطة من الدولة.
حين يعود المسؤول إلى موطنه بهذه الروح، تصبح العطلة أكثر من فترة راحة. تصبح فرصة ليرى الناس كما هم، لا كما تظهرهم التقارير، وليتذكر أن المنصب مرحلة عابرة، بينما الناس والمكان والذاكرة هي التي تبقى. أما إذا تحولت العودة إلى سلسلة من الولائم والاستقبالات والمواكب والتصوير، فقد نفقد جزءًا من المعنى الجميل للتوجيه، ونستبدل القرب الحقيقي بمشهد آخر من مشاهد المنافسة الاجتماعية التي ننتقدها في الأعراس والمناسبات.
ليس المطلوب أن نتوقف عن استقبال أبنائنا، ولا أن نخجل من الفرح، ولا أن نتخلى عن كرمنا. المشكلة ليست في الحفاوة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها الحفاوة منافسة، ويصبح عدد السيارات دليلًا على المحبة، وحجم الوليمة دليلًا على الكرم، وفخامة العرس دليلًا على النجاح، والمنصب سببًا لاستعراض النفوذ. المجتمع الذي يحتفل دون أن يضغط على أفراده كي ينافسوا بعضهم مجتمع أكثر راحة مع نفسه، وأكثر قدرة على الحفاظ على تقاليده دون أن تتحول التقاليد إلى أعباء.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يحب الموريتانيون التباهي؟ فالسؤال يحمل حكمًا مسبقًا أكثر مما يحمل تفسيرًا. السؤال الأعمق هو: لماذا أصبحت المكانة الاجتماعية تحتاج أحيانًا إلى أن تُرى حتى تُصدَّق؟ ولماذا أصبحنا نهتم بصورة نجاحنا أمام الآخرين بقدر اهتمامنا بالنجاح نفسه؟ ربما لأننا نعيش مرحلة انتقال بين مجتمع كانت الوجاهة فيه مرتبطة بالكرم والعلاقات والسمعة، ومجتمع حديث أصبحت المكانة فيه مرتبطة بالمال والمنصب والاستهلاك والصورة.
سيعود المسؤول من عطلته، وستنتهي المواكب، وستتفرق السيارات، وستهدأ مكبرات الصوت، وستختفي الصور تدريجيًا من صفحات الهواتف. وسيبقى الناس في قراهم ومدنهم ينتظرون شيئًا أبسط وأهم: مدرسة أفضل، وطريقًا صالحًا، ومركزًا صحيًا يعمل، وفرصة لشاب، وإدارة تحترم المواطن. عندها فقط يظهر الفرق بين منصب يُحتفى به، ومسؤول يترك أثرًا.
وربما تكون أجمل نتيجة لتوجيه قضاء العطلة في الموطن الأصلي أن يعود المسؤول إلى مكانه الأول لا ليقيس عدد من خرجوا لاستقباله، وإنما ليكتشف كم من الأشياء ما زالت تحتاج إلى أن يعمل من أجلها. فالموكب ينتهي عند باب المنزل، والصورة تنتهي بانتهاء المناسبة، أما أثر المسؤول في حياة الناس فيبقى.








