من شَرُّبَبَهْ إلى شَرُّبَبَهْ

بون باهي

تلكم قصة التدمير الهائلة التي كان قدرنا أن ندفع ثمنها غاليا، من رفض الدولة إلى تدمير الدولة والإنسان: نظام الأسرة، المجتمع الأهلي، العلماء ..إلخ إنه المسخ أو لنقل النسخ، الذي حل ببلاد العلم "شنقيط"، لتصبح بلاد الانقلابات العسكرية ومنارتهم ورباطهم، وهي جديرة بهذا المسمى في زمن الرداءة.
انتهت الحرب الأهلية المعروفة ب"شرببه" بانهيار دولة التوبة، ولكن الحرب لم تنتهي. كان من نتائج تلك الحرب تقسيم المجتمع

على نحو لم تعرفه البشرية من قبل (زوايا، محاربون)، وهو تقسيم لا زال يلقي بظلاله حتى الساعة داخل المجتمع انثروبولوجيا. ولمن ليس لديه فكرة عن معنى "الزوايا" في موريتانيا، فالمقصود أهل العلم، وليس بالضرورة الطرق الصوفية، أما "المحاربون" فهم أهل الحرب، طبعا هذا التقسيم ينسحب على المشاركين في تلك الحرب فقط من الجانبين، وإن حصل بعض التعميم لاحقا، بدليل أن هناك بعض المجموعات التي تحمل لفظ "زوايا" وهي محاربة في السابق، وهناك مجموعات أخرى كانت "محاربة" وانتقلت إلى "الزوايا" وهناك "زوايا" الحرب ..إلخ، على كل منذ ذلك التاريخ انهار بناء المجتمع الأهلي التقليدي بلا رجعة.
ومع دخول الاستعمار الفرنسي كانت الكارثة، حيث أن الانقسام الذي حدث هذه المرة أفقي على مستوى المجتمع الأهلي وعمودي على مستوى النخبة، وإن كان البعض يفسر ذلك الانقسام على أنه من النتائج المباشرة للحرب المذكورة، فليس هناك مبرر لمن تركوا البلاد وفضلوا الجهاد في البلاد الأخرى. ولا شك أن هذه المرحلة ألقت بظلالها بشكل عام على مرحلة التأسيس ونخبها من الخيمة إلى القصر. وإن بدا واضحا منذ 1978 أن الانقسام المذكور لم يعد على مستوى المجتمع الأهلي الذي أنهكته حرب المقاومة والتحرير، ولا على مستوى حرب الزوايا والمحاربين التي قد لا تنتهي، وإنما انقسام عبثي وطبيعي بين عسكريين اغتصبوا السلطة ومدنيين يطالبون باسترجاعها، وسيكون استثناء من هذه القاعدة مجموعة الكتبة البرلمانية، وهي لمن لا يعرفها، مجموعة النواب الذين دعموا انقلاب 2008 الذي أجهض أول تجربة ديمقراطية في البلد في سابقة من نوعها.
من شَرُّبَبَهْ إلى شَرُّبَبَهْ، أجهضت الأولى دولة التوبة، وانتهت إلى شرخ عميق وعداء داخل المجتمع الأهلي، وانتهت الثانية أي دولة الانقلابات العسكرية وكتبتها البرلمانية المزورة إلى زرع العداء والداء وتزوير الدواء.