حين يصنع الاستعمار الخصومة بين أبناء التاريخ الواحد

إن أخطر ما تواجهه الشعوب ليس اختلاف الروايات حول تاريخها، بل تحوّل هذا الاختلاف إلى حملة تحريض تستهدف إعادة كتابة ذلك التاريخ بروح الانتقام، وتقديم أحداثه في صورة مشوّهة ومفزعة ومؤسفة، تختلط فيها النقمة بالحقد، وتتشابك فيها الحسابات السياسية مع محاولات تصفية الخلافات القديمة، حتى يصبح الماضي، الذي يفترض أن يكون مجالًا للفهم والاعتبار، أداةً لإشعال العداوات وتمزيق الروابط الإنسانية.

إن تاريخ المنطقة الصحراوية والموريتانية لا يمكن اختزاله في رواية انتقائية، ولا يجوز إخضاعه لمزاج الخصومة الراهنة؛ فهو تاريخ مجتمع بشري متداخل، وحاضنة اجتماعية واسعة، وحّدتها العقيدة، وشدّت أواصرها الأرحام، وصاغت ملامحها التقاليد والأعراف، وربطت بينها الجغرافيا وطرق التنقل والتجارة والتبادل الثقافي والفكري. لقد كانت هذه المجتمعات، على امتداد قرون، فضاءً مفتوحًا للحركة والتواصل والتلاقح المعرفي، ولم تكن الحدود السياسية التي نعرفها اليوم حواجز تفصل بين شعوب مكتملة الانعزال، بل جاءت لاحقًا لتعيد تنظيم المجال الجغرافي وفق اعتبارات الدولة الحديثة وموازين السياسة.

وفي هذا السياق، ظل الشعب المغربي، بما يمثله من عمق تاريخي وحضاري، منهلًا ثقافيًا وحاضنًا اجتماعيًا وجارًا تتداخل معه وشائج الدين واللغة والتجارة والمصاهرة والتاريخ. ولم تكن العلاقة بين هذه الشعوب يومًا مجرد علاقة جوار جغرافي، بل كانت، في جوانب واسعة منها، امتدادًا طبيعيًا لعلاقات إنسانية وثقافية سبقت تشكّل الحدود السياسية الحديثة، وظلت آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية وأنماط العيش والتقاليد المشتركة.

أما التصادم الذي عرفته المنطقة، فلا ينبغي فهمه باعتباره نتيجة حتمية لعداء متأصل بين شعوبها، بل يتعين النظر في دور الاستعمار الأوروبي في إعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي، وفي ما خلّفته سياساته من تناقضات ومصالح متعارضة. فقد اعتمد الاستعمار، في تجاربه المختلفة، أساليب تقوم على استثمار الانقسامات المحلية، وإعادة ترتيب الولاءات، وفرض تصورات سياسية تخدم مصالحه، وفق منطق «فرّق تسد». كما مارست القوى الاستعمارية ضغوطًا على النخب والأنظمة الناشئة، بدرجات متفاوتة، لتأمين نفوذها وحماية أطماعها، وهو ما أسهم في تحويل بعض الاختلافات إلى بؤر للتنافس والصدام.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف بين شعوب المنطقة صُنع من الخارج، أو أن العوامل المحلية لم يكن لها أثرها، وإنما يعني أن قراءة التاريخ بإنصاف تقتضي التمييز بين التباينات الطبيعية التي عرفتها المجتمعات، وبين السياسات التي غذّتها ووسّعتها وحوّلتها إلى صراعات سياسية وحدودية. فالتاريخ لا يُقرأ بالانتقام، ولا تُفهم أحداثه بإسقاط خصومات الحاضر على وقائع الماضي، ولا يصح أن تتحول مسؤولية بعض الأنظمة أو القوى السياسية إلى إدانة جماعية لشعوب تربط بينها وشائج أعمق من خلافاتها.

إن أكثر ما يبعث على الأسى أن تُستهدف اليوم ذاكرة هذه المجتمعات بحملات تحريضية تُقدّم التنافر باعتباره الأصل، والتعايش باعتباره استثناءً، وتستدعي الصفحات المؤلمة لتغيب عنها قرون من التواصل والتداخل والتعاون. والأسوأ أن يُراد للإنسان أن يتبرأ من امتداداته التاريخية، وأن ينظر إلى جاره بوصفه خصمًا موروثًا، لا شريكًا في الجغرافيا والمصير، وأن يُختزل انتماؤه في حدود سياسية لا تمحو ما سبقها من روابط ولا تلغي ما استقر في الوجدان من ذاكرة مشتركة.

لقد صنعت تلك المجتمعات، في مراحل مختلفة من تاريخها، مساحات واسعة من الحرية في التنقل والتجارة والتواصل وتبادل الأفكار والعادات والمعارف، وتجاوزت في كثير من علاقاتها ضيق الانغلاق والخوف من الاختلاف. ولم يكن ذلك دليل ضعف أو غياب للخصوصية، بل تعبيرًا عن قدرة الإنسان على التعايش والتفاعل وصيانة الروابط رغم اختلاف مراكز النفوذ وتبدّل موازين القوة.

إن استعادة التاريخ ليست جريمة، لكن الجريمة المعنوية تبدأ حين يُنتزع التاريخ من سياقه، ويُستخدم لتأجيج الكراهية وتوريث الأحقاد. ومن حق كل شعب أن يروي تاريخه، وأن يطالب بالإنصاف في قراءة أحداثه، وأن يناقش ما وقع من مظالم أو أخطاء؛ لكن ذلك ينبغي أن يتم بعقل الباحث عن الحقيقة، لا بروح المنتقم، وبمنطق التوثيق والنقد، لا بمنطق التشهير والتحريض.

فالشعوب لا تُختزل في أخطاء حكامها، ولا تُدان بقرارات أنظمتها، ولا تُمحى روابطها بسبب خلافات سياسية عابرة أو صراعات على النفوذ والحدود. وما يجمع المجتمع الصحراوي والموريتاني، في امتداداتهما الاجتماعية والثقافية والتاريخية، يستحق قراءة متأنية تنصف الوقائع وتحترم الخصوصيات، وتُبقي أبواب التفاهم مفتوحة مع الشعب المغربي وسائر شعوب المنطقة.

إننا بحاجة إلى تاريخ يحرّر الذاكرة من التوظيف، لا إلى خطاب يُعبّئها بالكراهية؛ وإلى قراءة تُميّز بين الشعوب والأنظمة، وبين الوقائع وتأويلاتها، وبين النقد المشروع والتحريض المدمّر.

فالأوطان قد تفصل بينها الحدود، لكن التاريخ لا يُمحى بخطوط الخرائط، والأرحام لا تقطعها الخصومات، وما جمعته العقيدة والجغرافيا والثقافة والتقاليد لا ينبغي أن تبدّده حملات الانتقام.

والعاقل ليس من ينكر صفحات الماضي المؤلمة، بل من يواجهها بالحقيقة، ويستخلص منها العبرة، ويرفض أن يجعل منها وقودًا لصراعات جديدة بين أبناء فضاء تاريخي وإنساني متداخل.