الطموح.. بين القمة والهاوية

الطموح.. بين القمة والهاوية

إن رحلة الإنسان في الحياة ليست سبيلا ممهدا إلى غاية مرسومة، ولا طريقا مستقيما تنكشف له وجهته منذ الخطوة الأولى، وإنما هي درب يتعرّج بين الأمل والخوف، وبين الطموح والعثرة، وفي كل منعطف منها يُمتحن الإنسان: أيواصل الطريق أم يعود.

فالطموح ليس حلما يسبح في الخيال ولا أمنية تستريح على وسادة الانتظار كما أنه ليس غرورا يحمل صاحبه على طلب ما لا يستحق. الحلم أن ترى ما تتمنى، والطموح أن تنهض لتسعى إليه، والغرور أن تظن أنك تستحق الوصول دون أن تدفع ثمن الطريق والطموح بصيرة تسبق الخطوة وعمل يصدق الأمنية وصبر يحتمل مشقة المسير وإيمان بأن لكل غايةٍ ثمنًا، وأن القمم لا تُعطى لمن يشتهيها، وإنما يبلغها من يصعد إليها بقدميه.
وليس الطموح مقصورا على طلب المال ولا على طلب العلم ولا على طلب السلطة إنه يسكن في وجدان الإنسان حين يتطلع إلى حياة أوسع، وإلى بناء روابط تفتح له أبواب التأثير والحضور، أو إلى بلوغ منصب يمنحه نفوذا...
ومن هنا كان للطموح ثمنان: ثمن الوصول، وثمن عدم الوصول.
أما الأول: فيأتي في آخر الطريق لحظة يشعر فيها الإنسان أن كل ما بذله لم يذهب سدى، حين يرى حلمه وقد خرج من خيال الأمس إلى واقع اليوم.
وأما الثاني فهو الأثقل، لأنه يطلب منه أن يتحمل نتيجة اختياره حين تخذله الطريق، وأن يقبل بالخسارة، وأن يعترف بالفشل دون أن يتحول الفشل في نفسه إلى هزيمة، وأن يفهم أن الإنسان مسؤول عن سعيه، لكنه ليس ضامنا لنهايات الأشياء.
ولعل العبارة التي تقول: "الطموح مقبرة العظماء" تختصر جانبا من الوجه الآخر لهذه الرحلة فالطموح ليس دائما سلما إلى المجد، فقد يتحول حين يفقد صاحبه بصيرته ويتجاوز حدود قدرته وواقعه إلى طريق نحو الهاوية. وما أكثر الذين صعدوا يبحثون عن القمة، فإذا بهم يسقطون من أعلى ما بلغوا، لأنهم لم يسألوا أنفسهم قبل أن يطلبوا العلو: هل أستطيع أن أتحمل ثمنه؟
تأملوا محمد الفاتح - السلطان العثماني - وهو يقف أمام أسوار القسطنطينية، وقد استعصت المدينة على محاولات كثيرة قبله، فلم ير في الأسوار جدارًا فحسب، بل رأى وراءها غاية تستحق أن يهب لها الروح ما في وسعها، وأن يبذل في سبيلها أنفاس العمر كلها. كان طموحه فعلا وإرادة وصبرا لا مجرد أمنية معلقة في فضاء الخيال.

وعلى الضفة الأخرى من التاريخ نرى نابليون يعود من منفاه في جزيرة إلبا ليسترد سلطته، فيستعيدها أيامًا ثم يخسر واترلو، وينتهي به الطريق إلى منفى آخر في سانت هيلانة. لقد بلغ ما أراد لحظة، ثم دفع ثمن محاولته حين انقلبت الأيام عليه. وكذلك نيلسون مانديلا، الذي أمضى سنوات طويلة خلف القضبان قبل أن يرى الفكرة التي ناضل من أجلها تتحول إلى واقع سياسي. لم يكن السجن برهانًا على عبث طموحه، كما لم يكن الانتصار في نهايته وعدًا لكل من يسلك الطريق نفسه، وإنما كانت قصته شاهدًا على أن التاريخ لا يمنح الطامحين عقودًا تضمن لهم الخواتيم.
ولعل جبران خليل جبران قد اقترب من هذه الحكمة في حكايته الرمزية عن "البنفسجة الطموحة" تلك الزهرة الصغيرة التي عاشت وادعة قريبة من الأرض، راضية بجمالها وخصائصها، حتى رفعت عينيها إلى وردة شامخة تتطاول نحو السماء. فأحست بالنقص، وأرادت أن تتخلى عن طبيعتها لتصير مثلها. حذرتها الوردة من أن العلو الذي تراه قد يخفي وراءه من العواصف ما لا تراه العين، ودعتها إلى الرضا بما وهبها الله. لكنها أصرت، فتحولت إلى وردة شامخة، وما إن ارتفعت حتى هبّت عليها العواصف فهشمتها وأعادتها إلى الأرض.

وفي بلادنا، كما في سائر البلدان، رجال خاضوا غمار الطموح، ومضوا خلف أحلامهم، كل منهم يحمل في صدره صورة لما يريد أن يكون عليه غده. فمنهم من بلغ الغاية، فكانت القمة نهاية رحلة شاقة فكان ظفره بما ابتغى ثمرة لجهد بذله، وصبرٍ احتمله، وثمنٍ دفعه في سبيل حلم ظل يناديه من بعيد حتى أدركه ذات يوم.

ولعلي أتكلم هنا عن شيء أعرفه أكثر مما أحكيه فقد كان لي مع الطموح في سالف الأيام موعد، دفعت من عمري شيئا في سبيل حلم ظننته يوما يستحق كل شيء. لذلك فإنني لا أنظر إليه بعين الحالم وحده، بل بعين من عرف شيئًا من لذة السعي، وشيئا من مرارة الثمن.

ومنهم من تبدل عليه وجه الطريق، فإذا بالحلم الذي رآه يوما خلاصا ينقلب وحلا يثقل خطاه، وإذا بالطموح الذي حسبه جناحا يرفعه إلى السماء يغدو قيدا يشده إلى الأرض. ثم يجد نفسه خلف القضبان، في عالم تنكمش فيه الحياة إلى جدران صامتة وباب حديدي، ويصبح صوت الحارس في آخر الممر هو الصوت الوحيد الذي يمزق وحشة السكون يجيء من بعيد كخيطٍ واهن، فيوقظ في السجين صدى عالمٍ تركه وراء القضبان.

وعندها يفهم، في صمت السجون ورهبة الليل أن للطموح وجها آخر لا يظهر إلا حين تنحسر عن الأشياء أضواؤها ويبدأ الإنسان في إعادة حساب حياته بميزان لم يعرفه من قبل. فلا يعود المنصب كبيرا كما كان يظن ولا الجاه عظيما كما كان يتخيل ولا المال قادرا على أن يشتري يوما واحدا من عمر مضى.
يصبح البيت أمنية ترتجف في أعماق القلب، ووجه الأم وطنا لا تقاس رحابته بالمسافات وضحكة الطفل حياة كاملة لا تعادلها خزائن الدنيا وحتى فضاء الصحراء، الذي كان يمر به سالكا سبيله ولا يلتفت إلى امتداده، يتحول في ذاكرته إلى صورة للحرية التي لم يعرف قدرها إلا بعد أن حُرم منها فالإنسان لا يعرف قيمة الماء إلا حين يشتد به العطش ولا معنى النور إلا حين يطول عليه الظلام ولا سعة الدنيا إلا حين تضيق به جدرانها.
وهذه سنة الحياة: ليس النجاح وعدا لك لمجرد أنك تمضي نحوه وليس الفشل عقوبة لكل من أخطأ. قد يفشل الإنسان في بلوغ غايته لكنه يخرج من التجربة أكثر معرفة بنفسه لذلك لا ينبغي أن نقيس حياة الإنسان بما بلغ فقط بل بما صار عليه وهو يمضي.
وثمة حقيقة أخرى لا ينبغي للطامح أن يغفل عنها: أن يعرف حد نفسه. فلا يكلف روحه ما لا تحتمل، ولا يزن وجوده بميزان الآخرين لا بسلطانهم ولا بثرواتهم ولا بمنازلهم. فلكل إنسان طريقه، ولكل نفس طاقتها، ولكل قلب قدر من الاحتمال لا يشبه قلبا آخر.
"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" في هذه الآية ميزان عادل للطموح: أن تسعى دون أن تستعبدك الغاية وأن تجتهد دون أن تفقد نفسك، وأن تقبل بما قسمه الله لك دون أن تتخلى عن السعي.
فالحظ، كالغيم، قد يظلك اليوم ويسقيك، ثم ينقشع غدا ويترك يديك فارغتين. فلا ترهن عمرك لريح متقلبة، ولا تجعل طموحك قيدا يسلب منك حريتك ولا تدفع نفسك إلى طريق تغلق خلفك فيه أبواب العمر، فتكتشف متأخرا أنك ربحت العالم وخسرت الأيام التي كان ينبغي أن تعيشها فالإنسان لا يُقاس بعلو المكان الذي بلغه، بل بقدرته على أن يظلّ إنسانا وهو في العلو؛ وليس المجد أن تقف فوق الآخرين، بل أن تقف ثابتًا دون أن تطأ أحدًا في طريقك، وأن تبلغ ما تطمح إليه دون أن تفقد نفسك، ثم تلتفت إلى الوراء فتجد طريقك خاليًا من الندم، وقلبك خاليًا من الخجل. اصعد ما استطعت، واحلم ما شئت، لكن لا تجعل القمّة أغلى من الإنسان الذي فيك فبعض القمم تُربح في أعين الناس، ويخسر عندها صاحبها نفسه.
والله اعلم بالصواب واليه المصير