أحداث النيجر والمأزق السياسي الأفريقي

في مقالة مهمة للفيلسوف والمؤرخ الكاميروني «أشيل بمبة» في صحيفة «لوموند» الفرنسية حول الأحداث الأخيرة في النيجر، تحليل رصين لسياق الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، والتي اعتبرها نهايةَ النموذج الفرنسي لنزع الاستعمار الذي استمر أكثر من نصف قرن في القارة السمراء بخصوصياته المميزة. في غرب أفريقيا ظل الحضور الفرنسي قائماً، عسكرياً وسياسياً واستراتيجياً، رغم الاستقلال الشكلي للدول عام 1960. وما تزال لفرنسا قواعد عسكرية في عدد من مستعمراتها السابقة، وما تزال لغتها هي اللغة الرسمية في جل دول غرب ووسط أفريقيا، كما أن عملة الفرنك الأفريقي المرتبطة مباشرةً بالخزينة الفرنسية هي السائدة في تلك البلدان.

ولا يتعلق الأمر هنا أساساً بالحضور الروسي الصيني المتزايد في أفريقيا، بل بما أسماه بمبه ديناميكية «إعادة تمركز جديد» تُدخل أفريقيا في سيرورة تاريخية غير مسبوقة. وتبرز هذه الديناميكية في تغير جوهري طرأ على النظم الاجتماعية وعلى تركيبة المجتمع السياسي والمدني، بما يتجلى في الحركات الاحتجاجية المدنية التي هيمنت على الشارع على حساب الأحزاب السياسية التي أفرزتها تجارب الديمقراطية البرلمانية الفاشلة.

في الدول التي شهدت انقلابات عسكرية مؤخراً نلاحظ صعودَ جيل التسعينيات الذي نشأ في عمق الأزمات الاقتصادية الخانقة، خلال مرحلة تتسم باليقظة التكنولوجية في القارة، وبالتأثير المتزايد للجاليات المغتربة، وبالبحث النشط عن المقاربات التنموية المستندة إلى التقاليد المحلية الثرية بدل الحلول المستوردة العقيمة. ما تعبر عنه الأنظمة العسكرية الجديدة هو إخفاق التجارب المؤسسية السياسية للديمقراطية الانتخابية التي اعتمدت في القارة، من دون أن تكون لها آثار إيجابية ملموسة على إمكانات التداول السلمي على السلطة ونفاذ الأجيال الجديدة إلى مركز القرار. وكما يلاحظ بمبة فإن بلدان المنطقة تشهد راهناً انبثاقَ نزعة سيادية قوية هي الوجه الراهن للنزعة الأفريقية التقليدية، كما تتجلى في تشكل مجموعة شعورية ومتخيلة متعاضدة عابرة للحدود، تستقطب الشارع المحبَط والغاضب.

لقد نشأت هذه المجموعة أساساً من شبكات التواصل الاجتماعي وخطاب الجاليات المهاجرة التي تواجه مصاعب الاندماج وتتعلق بشعارات مواجهة العنصرية والكراهية والتمييز. والمشكل الكبير الذي تطرحه النزعة السيادية هو تعارضها مع المرتكزات الثلاثة للوعي الحديث، من ديمقراطية وحقوق إنسان وعدالة كونية، على الرغم أن هذه القيم تشكلت تاريخياً في رحم النضالات الوطنية ضد الاستعمار والهيمنة.

وبالإضافة إلى أن هذه النزعة ترفض من منظور الهوية الغربية فكرة الرابطة الإنسانية الكونية، فهي تصطدم بالدول الأوروبية الشريكة التي تحمّلها مسؤولية كل الإخفاقات والهزائم المحلية، وتريد استبدالها بالقوى الدولية الصاعدة غير الغربية. وبدلاً من التعلق بالديمقراطية حلاً للمعضلة السياسية الداخلية، فإن هذه النخب الانقلابية لا ترى في الديمقراطية سوى نمط من التدخل الخارجي، بما يفسر الانبهار بالرجل القوي المسيطر والمتحدي للأطماع الأجنبية والمحافظ على الاستقلال الوطني.

وهكذا أصبح للإشعاع الشخصي والقوة الذاتية الأولويةُ على البناء المؤسسي البطيء والثابت، في الوقت الذي ضعفت منظمات المجتمع المدني والتشكيلات الوسيطة، وأصبح نشاطها محصوراً في الصراع من أجل الحد الأدنى من العيش، كما غدت متورطة في صراعات الأعراق والنوع والأجيال.

والأدهى من ذلك كله أن الديمقراطية التنافسية لم تعد قوة دافعة للتغيير والسلم الأهلي، بل صارت السبب الرئيس لتأجيج العنف والتناقضات الأهلية، والطريقة الناجعة لتحكم النخب الموسومة بالفساد في مركز القرار. وهكذا تبدو الانقلابات العسكرية الخيارَ الأوحد للتغيير والأمل الأوحد المنشود للإصلاح والتناوب بين الأجيال.

ما يحذر منه بمبه هو أن الحركة الشبابية الجديدة أصبحت مقتنعة بأن طريق التغيير يقتضي العنف والقوة، بينما انهارت الطبقة السياسية التقليدية والكتل المهنية والبيروقراطية وفقدت كلياً حيويتَها وفاعليتَها في المجتمع. في كل الدول الأفريقية تجذر اقتصاد الفساد وتمحور حول الثروات المستخرجة من الطبيعة وما تحت الأرض، وغدت هذه الثروات رهان تنافس دولي محموم.

وقد واكب هذه التحولات انبثاق سوق واسعة للعنف، تنشط فيه شركات دولية خاصة تقايض حمايةَ الأنظمة السياسية بالسيطرة على الموارد الطبيعية والمعدنية. ما نشهده راهناً، حسب بمبة، هو بروز خريطة سياسية جديدة تهيمن عليها النخب العسكرية المرتبطة بشركات العنف الدولية، والمدعومة من كتل الشباب العاطلة عن العمل من ضحايا السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة للحكومات، وهي نفسها وقود الحركات الاحتجاجية الأهلية العنيفة.

والنتيجة الأساسية لهذا التحول هي إقصاء مجموعات واسعة من المجال العمومي، غدت مضطرة إما للهجرة الخارجية في ظروف مأساوية متردية أو الانغلاق في الملاجئ الداخلية الهامشية. أما الحل الذي يقترحه بمبه فهو العمل على إعادة بناء الديمقراطية الأفريقية على أساس قيم الحياة والمساواة والتضامن، لقطع الطريق أمام مسلك التغيير العنيف الذي لن يفضي في نهاية المطاف إلى نتائج نوعية إيجابية.

أ.د السيد ولد أباه / مفكر موريتاني

  شارك المقال: