على خطى الراليات الكبرى، موريتانيا تكتب قصة وجهة آمنة ومبهرة

إن ما تشهده موريتانيا اليوم من توافد قوافل الراليات الدولية وتقاطع مساراتها فوق ترابنا الوطني ليس حدثا عابرا، بل هو رسالة عميقة ومركبة الدلالات تحملها ثلاثية قوامها: الثقة في مناخ الأمن والاستقرار، والاعترافٌ بثقل الجغرافيا، والاستثمار في سحر التجربة. فليس من المبالغة في شيء القول إن السياحة الموريتانية تقف اليوم عند عتبة جديدة؛ عتبة تتقدم فيها البلاد من كونها "أرض عبور" في المخيال العام إلى وجهة قائمة بذاتها، وجهة تُرى وتُروى وتُختار.

في الأيام الأخيرة : رالي آفريكا أكو رايس، ورالي بودابيست و شلانج داكار حيث وصل طلائع المشاركون في رالي أفريكا اكو رايس مساء امس إلى الشامي بولاية داخلت نواذيبو، ضمن سباق يشارك فيه 767 من المتسابقين و 390 من المركبات ، حيث سيقضون عدة ليال على الأراضي الوطنية. وبالتوازي، دخلت إلى البلاد قافلتان أخريان تحملان بدورهما دلالة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار على الثقة: رالي دكار شالانج الذي حل يوم الجمعة 30 يناير 2026 بمشاركة 73 متسابقا و32 سيارة، ورالي بودابست–باماكو الذي وصل يوم السبت 31 يناير 2026 بعدد 788 مشاركا و328 مركبة، وقد دخل الجميع عبر النقطة الحدودية 55، مع برنامج إقامة يقضي أربع ليال داخل البلاد.

هذه الأرقام ليست للتزيين؛ إنها مؤشر عملي على أن اسم بلادنا أصبح حاضرا في خرائط مغامرات الراليات الدولية، فمسارات الكبار لا تمر إلا حيث يوجد الأمن أولا. فالرالي، بما يتطلبه من حركة واسعة، وفرقٍ تقنية، وأطقم دعم، ومسافات طويلة وبنى لوجستية، لا يراهن على الوجهات الرمادية. إنه يذهب حيث تتجسد الطمأنينة على الأرض، وحيث تكون الدولة قادرة على تأمين المسار، وحماية الزائر، وضمان انسيابية العبور والإقامة وحيث يكون الشعب كريما والطبيعة معطاء زاخرة بالمغريات والمفاجآت الجميلة.

غير أن العامل الأهم الذي يجعل موريتانيا تتقدم بخطوات واثقة نحو "وجهة عالمية" ليس الأمان وحده، بل الوجهة الفريدة التي تقدمها للسائح؛ تلك الوجهة التي لا تختصر في صورة واحدة ولا تختزل في مسار واحد. إنها الوجهة ذات البعد المركب الذي يلتقي فيه صمت الصحراء المهيب بالأفق الرحب ويتمثل فيه عمق التاريخ في مدن وطرق وذاكرة قافلة وتتنوع فيه الطبيعة من فضاءات رملية شاسعة إلى مشاهد ساحلية أطلسية تمنح الرحلة معني التعدد في تجربة واحدة.

إن موريتانيا، ببساطة، تقدم لزائرها لوحة نادرة تجمع في مكان واحد مغامرة ترضي الباحث عن التشويق، وتراثا يروي ظمأ المعنى، وأصالة تحفظ للرحلة طعمها الإنساني، واتساعا يحرر الروح من ضجيج المدن.

من هنا، وفي هذه المساحة بالذات تتجذر مسؤولية العمل المؤسسي حيث تحولت هذه اللحظة الدولية إلى مكسب مستدام حين استطاعت وزارة التجارة والسياحة من خلال جهودها المكثفة ورؤيتها الواضحة لما يجب أن يقام به في مضمار الساحة الدولية والوطنية أن تثبيت موريتانيا في خضم ظروف تنافسية شديدة كوجهة تنافسية عبر مسارات متكاملة، قوامها:

• تحسين تجربة الاستقبال والخدمة بما يجعل الزائر يشعر أن البلاد لا تستقبله بالمناظر فقط، بل بمنظومة تحسن الإنصات لحاجاته.

• ترقية جودة الخدمات السياحية ودعم المهنية، لأن جمال المكان لا يكتمل دون جودة التجربة.

• حماية الزائر والمستهلك عبر ترسيخ الشفافية والممارسات التجارية السليمة؛ فالثقة تبنى بالتفاصيل، وتهدم بأبسط خيبة.

• الزخم الإعلامي الذي تصنعه الراليات، وتحويله إلى قصة سياحية وطنية: محتوى، ومسارات، وتسويق ذكي.

لقد أظهرت الحملة السياحية خلال الموسم الماضي بما لا يدع مجالا للشك أن الرهان على الداخل ممكن ومثمر حين كشفت تلك الحملة عن تفاعل لافت، وتزايد اهتمام، وعودة الروح لثقافة اكتشاف الوطن. وبكل تأكيد فإن هذه التجربة ليست نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأنها تقدم الدليل الأهم الذي يقول بلغة الفعل لا الكلام: حين تتوفر الرؤية والتنظيم، يمكن للسياحة أن تتحول إلى رافعة اقتصادية وقوة ناعمة.

ومع تزايد حضور الراليات الدولية، في وقتٍ متقارب، يتضاعف الأمل، وتتسع النافذة. فالعالم يبحث اليوم عن وجهاتٍ حقيقية تكون أقل ازدحاما، وأكثر أصالة، وقدرة على تقديم تجربةٍ لا تشبه غيرها. وموريتانيا تملك هذا كله، وتزيد عليه حيث تضيف إليه عنصرا حاسما ألا وهو الأمن والاستقرار الذي تنعم به البلاد.

إنها لحظة يجب أن تقرأ قراءة جيدا فالرمال ليست مجرد تضاريس، بل هي علامة هوية. والطرق ليست مجرد مسافات فهي قصة بلد. والسباقات ليست مجرد منافسة، بل هي رسالة دعوة.

دعوة صريحة وقوية للعالم الخارجي أن يأتي ليرى موريتانيا كما هي: بلد آمن، واسع، كريم، متنوع، ومدهش.

ودعوة لنا نحن أن نكمل الطريق بثقة بأن نجعل من كل قافلة تمر، فرصة تبقى؛ ومن كل صورة تلتقط، وعدا بالعودة؛ ومن كل تجربة تعاش، شهادة تروى.

موريتانيا اليوم تتحرك بديناميكية تكسبها حيوية لم تعد في ظلها تنتظر أن تكتشف وإنما تعلن نفسها وجهة واعدة، تستعد في مستقبل الأيام لأن تكون من أكثر وجهات السياحية جاذبية في العالم.