
الكاتب كائن صنو الشاعر، تزيحه المشاعر عن مواطن تأملات السكون إلى مثابات اضطرابات الشجون!! فيكتب مَاحَبَّ ويَنْسَخُ مَا حبَّ كما قال بايْ اپَّيْخَا...
أحب كثيرا سلطان العاشقين - رضي الله عنه - وقد زرته في سفح جبل المقطم عشية الثورة على حسني مبارك. إن في قوله ما أركن إليه ذات القلق في عشيات الزمان الرديئ:
أُخفي الهوى ومدامعي تبديه --- وأُميته وصبابتي تــحييه
فكأنه بالحسن صورة يوسف --- وكأنني بالحزن مثل أبيه
في قسمات وجه سلطان عُمان تُقرأ قرارات مخفية، يطلبها الآنُ وتمنعها نظرات العقل الواعي، في زمان الاضطراب العربي!!
أجدك ما ضرَّ الكويت ما عمل اليوم حاكمها الحكيم؟
وما ضرنا أنا كنا قليل عديدنا ونزر مالنا، يوم أصدر الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطائع قرار مساندة العراق في حرب الخليج الأولى فنلنا بذلك حظ العزة، وبتنا على الطوى حتى شبعنا من كريم المأكل، وحمدنا السرى في صباح الموئل...
ما أعذب ماء الحياد حين يرد الوراد عطشى على مناهل المرتجل من قرارات وهن السياسية العربية!!
إن كانت قطر على حق، أو مقاطعوها عليه، فلسنا الآن إلى بحث شيء من ذلك فالليالي طوال لبيانه!! لكن قطع موريتانيا لعلاقاتها مع قطر في ظرفها هذا أمر عصي على التبريرات، ولا ترأم المسوغات - البتة - على وضعه في نطاقات الصائب من القرارات أحرى الحكيم منها!! فلا مواقع الجغرافيا تمليه ونحن في منكبنا البرزخي القصي، ولا عِبَر التاريخ تستدعيه، وما أمر القمة العربية في نواكشوط منا ببعيد!!
كان محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود معارضا للمختار ولد داداه - رحمهما الله - بدأ ذلك مستهل النصف الثاني من عقد ستينيات القرن الماضي، وذات الإنقلاب على المختار طلب العساكر محمد للمشاركة في نظامهم، موقنين بتلبيته الطلب، لما عُلم من حزازات سياسية كانت بينه والمختار، لكن محمد رد عليهم بأنه عارض المختار حين كان رئيس دولة، ولما أطيح به فأقل حقه أن يكون إبن عم تجب مؤازرته!!
ذلك الضرب من المنطق نشاز على مسامع العساكر! وشيمُ الكبار أضداد أصحاب النفوس الجشعة.
وفي أمر المغيرة ابن المنذر وبكائه البرامكة شيء من جميل الوفاء الذي اقشعرت أرضه وصوح نبتها في زمانٍ بيعت فيه المواقف بثمن بخس دراهم معدودة، كان بالإمكان أخذها من دولة قطر مع فاضلٍ من حفظ ماء الوجه...
في أشعار العرب قبل ربيعهم وأزمات الخليج ومقاطعات أهله، أشياء من مكارم الأخلاق:
قنعنا بنا عن كـل من لا يـــــريدنا --- وإن حـسنـت أوصافه ونعوته
فمن جاءنـا يا مـــــــرحبا بمجـيئه --- يجد عندنا ودا صحيحا ثبوته
ومن صد عنا حسبه الصد والقلى --- ومن فاتنا يكفيه أنا نــفوته
لست من سدنة الأخلاق، ومما زهدني فيها ما رأيته في يوم الناس هذا من دعوى أهل السوء لمحامد الأخلاق، وهم منها عراء! ولكنه زمان أضحت فيه المحاسن مساوئ، والفضائل قبائح!!
ولئن بُدلت الأرض غيرها، ففي الناس بقية خلفها الجَهد في رحاب الوفاء وحسن الجزاء...
جار الزمان على أحد بَطَارِينِ انواكشوط فعضته الدَّفْرَه وركبه الدين وجفاه القريب وقلاه الصَّفَّاگُ، فسمعتْ بأمره سيدة كان قد تزوجها في سالف رخائه الذي أصابها منه وفير، فباعت نِيمْرُو بملايين وأرسلتها إليه، فتعجب من حفظها العهد، فحفظ لها ذلك، وقضى الله أن عُـيِّـن في منصب رفيع، واستعاد جميل زمانه، فبادر إلى السيدة وطلبها الرجوع، فامتنعت وقالت له: لو رجعت إليك لكان الذي فعلته طلبا لإرجاعي، وما كنت فعلته إلا وفاء لك!!
كانت في أرضنا جلة معشر لم يغذهم آباؤهم باللؤم كما نعت حسان - رضي الله عنه - أبناء مارية، وما كانوا ليقبضوا ثمن السنوسي بعد أن تأففت منه دولٌ، وما كانوا ليقطعوا العلاقات مع دولة قطر وهي في حال جفاء من أهل مودتها وقرباها!! كان أولئك الرجال من ذوي الأحلام والنهى، تصدر قراراتهم عن روية ونظر سديد بعيد المرامي، لا يأتيه الإرتجال والضعف من بين يديه ولا من خلفه... من أولئك بُسيْف ولد هنون:
يَبُسيْفْ فَـاتْ وسَّاكْ ربَّــــكْ --- كَلْ امْسَالَهْ فِيهَا فَـوْگْـــــــنَ
لَـلْفارسْ لَـا تَــيْتْ اتْمَدْ مَدَّكْ --- ذِيكْ يَبُوسيْفْ نَحْنَ اتْكُودْنَ
وذَاكْ افْرَجْــلَتْـنَ لَا ايْـزَهْدَكْ --- رَجْلَه أحْــنَ وامْتَانْ اجْولُدنَ
غَيْرْ ذَلِّ جَــمْ لَكْ بِيهْ گَــــلْبَكْ --- مَا ايْـــجَمُّونَّ بِيهْ اگْــــلُوبْنَ
يَلَّالِي مزين الوفاء إن كان نتاج كريمات فَعال، وما أحسنه إذا أتى تكرما بالعطف على بدلِ تبدلِ حالٍ إلى غيره:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم --- حتى إذا ايقظوني للهوى رقدوا
جاروا علي ولم يوفوا بوعدهم --- قد كنت أحسبهم يوفون إن وعدوا
لأخرجن من الـــدنيا وحــبكم --- بين الجوانح لم يشعر به أحد
صباح الشوق والوَحْشَه